عبد الفتاح عبد الغني القاضي

5

الوافي في شرح الشاطبية

رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قد أقرأنيها على غير ما قرأت ، فانطلقت به أقوده إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فقلت : أني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « اقرأ يا هشام » فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرأ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « كذلك أنزلت » ثم قال : اقرأ يا عمر ، فقرأت القراءة التي أقرأني ، فقال صلّى اللّه عليه وسلم : « كذلك أنزلت ، إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسر منه « 1 » » [ رواه البخاري ومسلم ] . وعن أبيّ بن كعب رضي اللّه عنه قال : لقي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم جبريل فقال : « يا جبريل إني بعثت إلى أمة أميين ، فيهم العجوز والشيخ الكبير والغلام والجارية والرجل الذي لم يقرأ كتابا قط » قال : يا محمد إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف . [ رواه الترمذي وقال : حسن صحيح ] . وقد اختلف العلماء في المراد بالأحرف السبعة اختلافا كثيرا وذهبوا فيه مذاهب شتى ، والذي نرجحه من بين هذه المذاهب مذهب الإمام أبي الفضل الرازي ، وهو أن المراد بهذه الأحرف الأوجه التي يقع بها التغاير والاختلاف . والأوجه التي يقع بها هذا التغاير والاختلاف لا تخرج عن سبعة : الأول : اختلاف الأسماء في الإفراد والتثنية والجمع ، نحو قوله تعالى في سورة البقرة : وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ قرئ لفظ ( مسكين ) هكذا بالإفراد وقرئ ( مساكين ) بالجمع . وقوله تعالى في الحجرات : فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ قرئ بفتح الهمزة والخاء والواو وبعدها ياء ساكنة على أنه مثنى أخ ، وقرئ : « إخوتكم » بكسر الهمزة ، وسكون الخاء وفتح الواو ، وبعدها تاء مكسورة على أنه جمع أخ . وقوله تعالى في سورة سبأ : وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ قرئ بإثبات الألف بعد الفاء مع ضم الراء على الجمع ، وقرئ بحذف الألف وسكون الراء على الإفراد . واختلاف الأسماء أيضا في التذكير والتأنيث نحو قوله تعالى في البقرة : وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ قرئ ( يقبل ) بياء التذكير وتاء التأنيث . وقوله تعالى في النحل : الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ * قرئ ( يتوفاهم ) بياء التذكير ، وقرئ بتاء التأنيث . وقوله تعالى في الأنفال : وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ قرئ ( يكن ) بياء التذكير وتاء التأنيث . الثاني : اختلاف تصريف الأفعال ، من ماض ومضارع وأمر ، نحو : قوله تعالى في البقرة : وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً قرئ بفتح التاء والطاء مخففة مع فتح العين على أنه فعل ماض ، وقرئ ( يطّوع ) بياء مفتوحة وبعدها طاء مشددة مفتوحة مع جزم العين على أنه فعل مضارع . وقوله تعالى بيوسف : فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ قرئ بجيم مشددة بعد النون

--> ( 1 ) أي من الأحرف المنزل بها .